فؤاد سزگين
207
تاريخ التراث العربي
ولقد عول جابر في كوسمولوجيته ، حيث نقطتها المركزية في ناموس العلة ، عول بشكل رئيسي على شرح عالم المادة . وما عالم العقل بالنسبة له إلا امتداد لعالم المادة . ولعله ينطلق في كوسمولوجيته من أسس الأفلاطونيين الجدد ، عندما يتصور الكون دوائر مركزية ، أو بعبارة أدق عندما يتخيله « 1 » سطوح كرات بعضها في بعض موحدة المركز . وقد استبدل الأقنوم الأول من الأقانيم « hypostasen » الأفلاطونية الجديدة الثلاثة ، استبدل به « البارئ » . ومما يلفت النظر حقّا أنه لم يتخيل دوائر الكواكب حتى النجوم الثابتة فحسب ، بل تعداها بالتصور حتى دوائر الأقانيم الثلاثة « 2 » . وقد عبر جابر عن مفهوم الدائرة في اللا نهاية ب « دائرة لا نهاية ( لها ) « 3 » » آخرها متصل بالأول مما تحويه » ، وعنده أن الكواكب من عالمنا المادي . وقد استعمل جابر كلمة « عالم » بمعان عديدة ، فهو لا يذكر « عوالم » العلة والنفس والجوهر فحسب ، بل ذكر عالم الكيفيات الأربع أي : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، وقد جعل جابر الطبائع الأربع الأخيرة هذه أو البسائط ، وهي عنده أقانيم وليست أعراضا « akzidenzien » ، وضعها على حدود عالمنا المادي . وقد ذكر جابر كطبيعة خامسة ، جوهرا يقال له « الهباء » لا يشبه الطبيعة الأرسطوطاليسية الخامسة « جرم الفلك » بحال من الأحوال . هذا الجوهر ، أو بالأحرى هذه الطبيعة ، خلافا للعناصر الأربعة في عالمنا الأرضي ، يعد أقنوما من الأقانيم ويشكّل أساس تكوين العناصر الجسمية . وقد ذكر جابر أن الفلاسفة تكلموا في الطبيعة الخامسة ، أي في « جرم الفلك » ، ولم تزد عليه شيئا ، فلم يرض بذلك ، الأمر الذي اضطره لأن يشرح بدقة كي يستطيع القارئ تصورها بوضوح . فهذا الجوهر الذي جرت العادة أن يقال له « جرم الفلك » ، قابل لكل شيء وهو الذي في كل شيء ومنه كل شيء وإليه يعود كل شيء كما خلقه بارئه وبهذا الجوهر يمتلئ الخلاء . فإن لم يعلم ما هو من هذا القول ، فهو الهباء الأبيض المتعلق في الهواء ، إذا وقفت عليه الشمس
--> ( 1 ) « وأنه يكون في تلك الدائرة إحدى عشرة دائرة ودوائر أخر كثيرة » ( مختار رسائل ص 413 ) . ( 2 ) كراوس ii ص 149 . ( 3 ) إضافة من كراوس ii ص 139 ، ن 4 .